ابن الجوزي

22

زاد المسير في علم التفسير

أصادق هو ، أم كاذب ؟ فليس هاهنا من يسمع كلامك غيري . فقال أبو جهل : والله إن محمدا لصادق ، وما كذب قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء ، والسقاية ، والحجابة ، والنبوة ، فماذا يكون لسائر قريش ؟ فنزلت هذه الآية ، قاله السدي ذكره الطبري مطولا فأما الذي يقولون ، فهو التكذيب للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، والكفر بالله . وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية عما يواجهونه به . قوله تعالى : ( فإنهم لا يكذبونك ) قرأ نافع ، والكسائي : " يكذبونك " بالتخفيف وتسكين الكاف . وفي معناها قولان : أحدهما : لا يلفونك كاذبا ، قاله ابن قتيبة . والثاني : لا يكذبون الشئ الذي جئت به ، إنما يجحدون آيات الله ، ويتعرضون لعقوباته ، قال ابن الأنباري . وكان الكسائي يحتج لهذه القراءة بأن العرب تقول : كذبت الرجل : إذا نسبته إلى الكذب وصنعة الأباطيل من القول ، وأكذبته : إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب ، ليس هو الصانع له . قال : وقال غير الكسائي : يقال : أكذبت الرجل : إذا أدخلته في جملة الكذابين ، ونسبته إلى صفتهم ، كما يقال : ابخلت الرجل : إذا نسبته إلى البخل ، وأجبنته : إذا وجدته وجبانا . قال الشاعر : فطائفة قد أكفروني بحبكم * وطائفة قالوا مسئ ومذنب وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وحمزة وابن عامر : " يكذبونك " بالتشديد وفتح الكاف ، وفي معناها خمسة أقوال : أحدها : لا يكذبونك بحجة ، وإنما هو تكذيب عناد وبهت ، قاله قتادة ، والسدي . والثاني : لا يقولون لك : إنك كاذب ، لعلمهم بصدقك ، ولكن يكذبون ما جئت ، به قاله ناجية ابن كعب . والثالث : لا يكذبونك في السر ، ولكن يكذبونك في العلانية ، عداوة لك ، قاله ابن السائب ، ومقاتل . والرابع : لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأت به مما في كتبهم : كذبت . والخامس : لا يكذبونك بقلوبهم ، لأنهم يعلمون أنك صادق ، ذكر القولين الزجاج . وقال أبو علي : يجوز أن يكون معنى القراءتين واحدا وإن اختلفت اللفظتان ، إلا أن " فعلت " . إذا أرادوا أن ينسبوه إلى أمر أكثر من " فعلت " ويؤكد أن القراءتين بمعنى ، ما حكاه سيبويه أنهم قالوا : قللت ، وأقللت ، وكثرت ، وأكثرت بمعنى .